مقدمة
يمرّ الطفل، منذ سنواته الأولى، بعالم داخلي مليء بالمشاعر المتغيّرة التي لا يستطيع دائمًا فهمها أو التعبير عنها بالكلمات.
من الفرح إلى الغضب، ومن الخوف إلى الحزن، تتشكل لدى الطفل تجارب عاطفية متعدّدة تشكّل شخصيته وسلوكه.
وهنا يأتي دور الوالدين كركيزة أساسية في مرافقة الطفل خلال هذا النمو العاطفي، عبر الإصغاء، والتفهّم، والاحتواء.
فطريقة استجابة الأبوين لمشاعر طفلهم هي التي تحدد، إلى حدّ كبير، مدى قدرته المستقبلية على التعامل مع ذاته والآخرين.
١. المشاعر تُكتسب بالملاحظة قبل التعليم
يُعدّ الطفل مراقبًا دقيقًا لسلوك والديه.
قبل أن يتعلّم بالكلمات، يتعلّم بالنظر والتقليد.
فعندما يرى أحد والديه يعبر عن الغضب بهدوء، أو الحزن دون انكسار، أو الفرح بطريقة متوازنة، يتعلّم أن المشاعر ليست خطيرة، وأنها يمكن أن تُعاش وتُعبّر بطريقة صحية.
أما عندما يعيش الطفل في بيئة تُخفي المشاعر أو تعتبرها ضعفًا، فقد يكبر وهو يخاف من التعبير عن ذاته أو يكبت مشاعره.
لهذا نقول إن الطفل يتعلّم من نموذج والديه أكثر مما يتعلّم من نصائحهم.
فكل ابتسامة، وكل كلمة دعم، وكل طريقة للتعامل مع المواقف الصعبة هي رسالة عاطفية تصل إليه.
٢. الإصغاء بتعاطف: لغة الحب غير المنطوقة
عندما يغضب الطفل أو يبكي أو يخاف، يكون في حاجة لأن يُفهَم قبل أن يُوجَّه.
الإصغاء الهادئ هو أداة علاجية في حد ذاته.
بدلاً من قول: “لا تبكِ” أو “هذا لا يستحق”، يمكن القول:
“أرى أنك حزين، هل تريد أن تخبرني بما حدث؟”
هذه الجملة البسيطة تمنح الطفل الأمان الداخلي، وتعلّمه أن التعبير عن المشاعر ليس شيئًا خاطئًا.
كما تُساعده على بناء الثقة في العلاقة مع والديه، وهو ما يُعتبر حجر الأساس في الصحة النفسية المستقبلية.
👂 نصيحة عملية: خصّصوا كل يوم بضع دقائق للحديث مع الطفل عن يومه ومشاعره دون مقاطعة.
سؤال بسيط مثل: “كيف كان شعورك اليوم في المدرسة؟” قد يفتح بابًا كبيرًا للتواصل.
٣. تسمية المشاعر: خطوة أولى نحو التحكم فيها
حين يصرخ الطفل أو يغضب، لا يكون بالضرورة سلوكًا سيئًا، بل طريقة غير ناضجة للتعبير عن انفعال لا يفهمه بعد.
من هنا تأتي أهمية أن يساعده الوالدان على تسمية ما يشعر به.
مثلاً:
“يبدو أنك غاضب لأن صديقك لم يشاركك اللعب.”
“هل أنت قلق من الذهاب إلى المدرسة غدًا؟”
عندما يتعلّم الطفل أن يربط ما يشعر به بكلمة، يصبح أكثر قدرة على تهدئة نفسه.
هذا ما يسمّيه الأخصائيون “تنظيم العواطف”.
🧩 أدوات مفيدة:
كتب مصوّرة تتحدث عن المشاعر.
بطاقات تعبّر بالوجوه عن الفرح، الغضب، الخوف…
الرسم كوسيلة للتعبير عن الداخل دون كلمات.
٤. دعم الطفل لا يعني تجنّب الألم
يخطئ بعض الآباء في الاعتقاد أن حماية الطفل من كل حزن أو خيبة تجعله سعيدًا.
لكن الطفل يحتاج أن يمرّ أحيانًا بمشاعر صعبة — مثل الخوف أو الحزن — ليطوّر قدرته على التحمل.
المفتاح ليس في تجنّب هذه المشاعر، بل في مرافقة الطفل أثناءها.
قول جملة مثل:
“أعلم أن الأمر صعب، لكني معك.”
يمنح الطفل شعورًا بالثبات والطمأنينة.
٥. متى يحتاج الأهل إلى مساعدة مختص؟
رغم الحب والدعم، قد تظهر أحيانًا علامات تدل على أن الطفل يحتاج لمساعدة خارجية، مثل:
.القلق المفرط أو المخاوف المستمرة
.صعوبات في النوم أو في المدرسة
.نوبات غضب متكررة أو انسحاب اجتماعي
.تغيّرات مفاجئة في المزاج أو السلوك
في هذه الحالات، يُنصح باستشارة طبيب نفسي للأطفال (الطبيب المختص في الطب النفسي للصغار).
فالتقييم المبكر والعلاج المناسب يساعدان الطفل على تخطي الصعوبات قبل أن تتفاقم.
⚕️ استشارة الطبيب النفسي ليست دليلاً على فشل الوالدين، بل على وعيهم ورغبتهم في دعم طفلهم بشكل أفضل.
الخاتمة
يولد الطفل بقدرة طبيعية على الشعور، لكنه يحتاج إلى من يعلّمه كيف يفهم هذه المشاعر ويتعامل معها.
الوالدان هما مرآته الأولى في الحياة، ومن خلالهما يتعلّم كيف يحب، وكيف يثق، وكيف يعبّر عن ذاته.
وفي الحالات التي تتجاوز قدرة الأسرة، يقدّم الطبيب النفسي المختص بالأطفال بيئة آمنة للحوار والمساعدة، ليس للطفل فقط، بل للأسرة بأكملها.
“حين نمنح الطفل الإصغاء والاحتواء، فإننا نزرع فيه بذور الطمأنينة مدى الحياة.”

